ظهرت الدهشة علي وجهها وهي تقول :
" هل فعل ذلك ؟"
ثم قالت في نفسها ربما كانت هذه طريقته في الاعتذار.
" أعتقد أنك تتصورين نني رجل كهل يثرثر , ولكن هل تحبين جيم أو شيئا من هذا القبيل ؟"
" لا . إننا صديقان . لقد كان يعرف أبي أو قابله في محاضرة ".
" هذا حسن ".
قالت بفضول :
" حسنا . لماذا ؟"
" إنه ليس مناسبا لك . إنك تحتاجين شخصا أقوي منه ليكبح جماحك . إن النار مع النار تصنع وهجا أكبر دائما ".
ضحكت قائلة :
"لم أكن أعلم أنك تمزج جمع رأسين في الحلال بالفلسفة يا هانك . قل لي هل في ذهنك رجل معين ؟"
" نعم ولكن لن أقول . ستعرفين قريبا جدا".
لكز حصانه وأضاف رافعا صوته فوق الجلبة :
" يستحسن أن نعود إلي العمل".
رافقته ستاسي وهي تضحك وقد زالت عنها كآبة الصباح في صحبة راعي البقر الحكيم . وعندما طاردا آخر الماشية الشاردة أشار هانك نحو سيارة بيك آب منتظرة , ففهمت ستاسي أنها ستعود إلي بيت المزرعة فيها .
وصلت بحصانها إلي شاحنة الجياد وترجلت . وحاولت تفادي الجياد وراكبيها واتجهت نحو السيارة . ففتح لها السائق الباب وأشار لها بالدخول . تبادلت ستاسي معه بعض النكات ولكن توقعها لقاء كورد بعد حادثة الليلة البارحة جعلها تصمت بالتدريج . وكان هناك في تصورها أسباب متعددة لرغبته في الحديث معها , وكانت تتمني أن يسعدها الحظ فينهي اتفاقهما .
عندما وصلا ساحة البيت لاحظت ستاسي وجود سيارة كاديلاك ذهبية لم ترها من قبل هناك . وبالرغم من أنها لم تكن تعرف الجيران إلا أنها كانت واثقة من أنها لم تر أية سيارة كهذه سابقا . وملأها إحساس عجيب بالتوجس عندما توقفت سيارة البيك أب بجانب بوابة المنزل لتخرج منها .
كانت ستاسي مرهقة وخائفة . تمشي وفي يدها فراشها الملتف وقبعتها . وفي اليد الأخرى سترتها الجلدية . وتمنت وهي تفتح الباب لو أتيحت لها فرصة أن تغتسل وتبدل ثيابها قبل لقاء كورد هاريس المقيت , ولكنها كانت تعلم أنه ينتظرها فور وصولها . واحترقت من الاستياء وهي تدرك أنه كان يريد أن يلقاها وهي في وضع غير مناسب كيف يمكنها أن تظهر بمظهر هادئ وتسيطر علي نفسها إذا كانت تبدو مثل صبي قذر؟
سمعت اصواتا في الغرفة التي يعمل بها كورد بينما تجتاز مدخل البيت البارد . ووقفت حائرة أمام الباب المغلق, حاولت أن تتعرف علي تلك الأصوات ولكن الباب السميك المصنوع من البلوط منعها من ذلك . ففكرت: ربما كان مشغولا ولا يرغب في رؤيتي ألان.
ولكن... لا... من الأفضل أن تنتهي من هذا اللقاء . استسلمت للأمر الواقع ووضعت أشياءها علي أريكة خارج الغرفة ونفضت الغبار عن بنطلونها وبلوزتها ثم رتبت شعرها الطويل, واعتلت ودقت الباب.
جاءها الرد خافتا :
" ادخل "
فتحت ستاسي الباب ودخلت الغرفة بثقة أكثر مما كانت تشعر , وكان كورد واقفا أمامها مباشرة بجانب مكتبه . كانت في وقفته بساطة وعدم اكتراث مما زاد من توترها .
قال كورد وهو يلوح بيده امرأ:
" ادخلي ياانسة آدامز"
مرت عيناه الهازئان علي مظهرها المشعث وأضاف :
" أري انك وصلت توا "
أجابت ستاسي مدافعة عن نفسها وهي تواجهه بجرأة :
"فهمت أنك تريد أن تراني علي الفور , ولكن يمكنني أن أعود بعد فترة إذا كنت مشغولا"
قال:
"لا ,لن يكون هذا ضروريا".
تحولت نظرته منها إلي الكرسي ذي الظهر العالي أمام مكتبه وقال:
"لن تمانعي في الانتظار بضع دقائق ... أليس كذلك؟
لأول مرة بحثت عينا ستاسي في الغرفة عن صاحب الصوت الثاني الذي سمعته وهي في الخارج . كانت مشغولة بلقاء كورد حتى أنها نسيت مؤقتا فضولها لمعرفة شخصية صاحب السيارة الكاديلاك. وأثار انتباهها حركة المقعد . لقد أخفي المقعد الجلدي الكبير شاغله إذ كان ظهره لستاسي . أما بعد هذا فقد رأت ستاسي ساقين رشيقتين ترتديان جوربا وحذاء ذا كعب عال . وأظافر مطلية ليد أنثوية . شعرت ستاسي برجفة متوجسة تسري في عروقها . كانت المرأة جميلة بشكل لافت للنظر . وكان شعرها فاحم السواد مرفوعا في تسريحة إلي أعلي مما أظهر عظام خدودها العالية وبشرتها العاجية . استدارت لستاسي فظهرت عيناها السوداوان بلون شعرها تشعان بوهج مكتوم . كانت أطول من ستاسي ببضع بوصات وأعطت الانطباع بأنها تنظر لها إلي أسفل من خلال أنفها الرشيق ز ولمعت العينان السوداوان سرورا عندما رأت المرأة مظهر ستاسي المتسخ .
قالت المرأة الغريبة بصوت موسيقي واضح :
" ستقدم كلا منا للأخرى ... أليس كذلك يا كورد ؟"
وأجاب وعيناه لا تتركان وجه ستاسي الذي احمر خجلا:
" بالطبع . ليديا . أود أن تلتقي بالآنسة ستاسي آدامز . كانت تعاونني في المزرعة كما تستطيعين أن تري . آنسة آدامز : هذه هي ليديا مارشال صديقة قديمة جدا لي".
تمتمت ستاسي بتحية غير واضحة وأومأت برأسها . فهذه هي ليديا المرأة التي كانت خطيبة كورد ! شعرت بأن وجود الاثنين معا لا بد وأن له معني فنظرت لكورد متسائلة , وبقي علي وجهه نفس التعبير الهازئ الذي ألفته في الأسابيع الماضية . وكان هناك معني آخر للمعة عينيه , عزتها أول الأمر لمظهرها المشعث . ربما عادت المياه لمجاريها بينهما ولكن ماذا عن زوج ليديا ؟ تسابق في ذهنها ألف سؤال وهي تحاول التركيز علي الحديث الجاري بين الاثنين . ولكن الشيء الوحيد الذي بقي محفورا في ذهنها بعد أن تركت ليديا الغرفة هو الصوت الحريري للمرأة ذات الشعر الداكن.
حدقت ستاسي في اتجاه الباب المغلق محاولة في يأس أن تطرد مشاعر الخوف البارد التي نمت في داخلها .
كرر كورد كلامه في نبرة أعلي من قبل قائلا بصوته العميق:
"قلت . هل تحبين أن تجلسي يا آدامز ؟"
همهمت ستاسي وقد أحرجها عدم انتباهها :
" بالطبع , أنا آسفة ".
وخطت إلي مقعد من المقاعد ذات الظهر المستقيم بجانب المكتب وجلست . كان كورد جالسا خلف مكتبه يقلب في أوراقه.
" يالها من أمرأة جميلة , تري هل حظر معها زوجها؟"
أفلتت من ستاسي هذه العبارة قبل أن تدرك ماذا قالت .
قال كورد وفي عينيه شبح ابتسامة , وعلي شفتيه تعبير الرضي والزهو :
" لا , يبدو أن السيدة مارشال تطلب الطلاق ".
قالت ستاسي بصوت خافت :
" أوه ".
لماذا ضايقها أن يعود هذان الاثنان لبعضهما كما يبدو ؟ قال بسرعة :
" والآن لنبدأ في الحديث عن سبب استدعائي لك . من الواضح أن اتفاقنا السابق لن يعطي نتائجه المرجوة , علي الأقل ليس كما خططت ".
جلست متوترة علي طرف المقعد وتطوعت قائلة :
" مازلت موافقة علي أن اكتب ك شيك يغطي ثمن أي خسارة تسببت فيها . أنا أفهم تماما أنك تريد التخلص مني وأؤكد لك إنني أبادلك نفس الشعور".
قال وهو يرفع حاجبا واحدا :
" أخشي انك قد أسأت فهمي . مازلت أعتقد أن عليك أن تعملي حتى تسددي دينك . الأمر الواضح هو أنك لا تستطيعين أن تأخذي مكان رجل أو حتى نصف رجل . ولهذا اقترح أن تتولي أمر عمل أنسب لطبيعة المرأة ".
" لا أفهم تماما ما الذي ترمي إليه ".
" كما ذكرت لك من قبل , إنني أعقد مزادا كل ربيع أبيع فيه بعض جيادي المسجلة علي طريقة أهل تكساس . وهذا يعني أن أقيم حفل شواء في الهواء الطلق".
لمعت عينا كورد وهو يراقب إمارات الفهم علي وجه ستاسي وأضاف :
" أنا واثق أنك تستطيعين تنظيم نشاط هذا العام بخبرتك في الأندية الريفية مما يعطيني فرصة التفرغ للاهتمام بالمزرعة ".
سألته ستاسي وهي تتجاهل السخرية المقنعة التي نطق بها كلماته:
" كم عدد المدعوين إلي هذا الحفل ؟ ومتى سيكون موعده؟"
|